هشام جعيط

20

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

خلال المرحلة الثانية من الفتح . أما في مرحلة الأيام ، فالأمر بقي مرتبطا بأحداث كانت تدور بين العرب أنفسهم : في الحيرة مثلا أو في عين التمر ، حيث المهزومون الرئيسيون كانوا من عرب الحدود أكثر مما كانوا من الفرس ، وكأنّ ذلك ، بشكل من الأشكال ، امتداد لحرب القضاء على الردة . إن تاريخ الطبري هو أضمن المصادر بهذا الصدد رغم مظهره المتشعب . أما البلاذري فيخلط بين التواريخ وتشتبه لديه الأحداث ويدخل فيها جانبا لا يستهان به من غريب الرواية والوعظ . أما كتاب أبي يوسف فهو جيد لكن يعوزه التحديد . يروي الطبري عدة روايات منكرا صحتها « 1 » ، وقد ورد فيها أن خالدا مرّ بالأبله واتجه شمالا حتى الحيرة . الواقع أن الساحة الرئيسة للعمليات كانت تقع في موقع الكوفة العتيدة حيث جرى الاستيلاء على الحاميات وفي الإمكان أن يكون العرب قد تقدموا في مرحلة ثانية إلى السواد حتى دجلة ، محتلين إياه في واقع الأمر ، بحيث أن دجلة لا الفرات هي التي قامت مقام الحاجز بين العرب والعجم في مطلع عام 13 « 2 » . ودعي خالد ، في المرحلة الأخيرة ، لنجدة الجيوش في الشام فسار إلى أعلى الفرات ودخل الجزيرة فقمع بشدة القبائل العربية على حدود الشام ، ثم عبر الصحراء فتفرع جيش الأيام فرعين : فرع رافق خالدا تحت اسم أهل العراق وعاد فورا لا محالة بعد وقعة القادسية ، وبقي قسم آخر مع المثنى في الحيرة ، وهم في اعتقادنا أنصار المثنى بالذات ، وسيكون نصيبهم المشاركة في كل مراحل المغامرة العراقية . إن الحصون التي استولى عليها خالد والمثنى هي أليس والحيرة وبسما وبانقيا وأمغيشيا . توجد أليس على الفرات « 3 » وكانت في حماية قائد عسكري فارسي يسمى جابان وقد لعب دورا ما في حروب الفتح حتى وقعة القادسية . كان جابان يعتمد على أعوان عرب

--> ( 1 ) وجاراه فلهوزن في هذا الرأي : . Prolegomena . ( 2 ) الطبري ، التاريخ ، ج 3 ، ص 414 . ( 3 ) هذا ما ورد في أغلب المصادر ، لكن لا يشكل ذلك خبرا كافيا ، إذ لو كانت حامية فارسية تدافع عن خط المواجهة مع العرب ، لوقعت منطقيا على ضفة الفرات اليمنى ، لكن السياق كله الذي توحي به مطالعة كتاب الطبري خاصة ، يدل على وجود هذه القرية والقرى الأخرى داخل السواد ، أي على ضفة الفرات اليسرى وبالأحرى في منطقة الحيرة والكوفة وهو الموقع الذي حدده لها صالح أحمد العلي في الخارطة المدرجة بدراسته : « منطقة الكوفة ، دراسة طبوغرافية » ، سومر ، 1961 ، المجلد 21 ، ج 1 و 2 ، ص 229 - 253 . وقد أشار الدينوري صراحة ، ص 298 ، إلى وجود بانقيا في المنطقة ذاتها . هذا ولا يعتمد على المعاجم الجغرافية المتأخرة في موضوع التعرف على المواقع القديمة ، إذ أوردت ما نقلته عن الكتب السابقة وهي بذاتها قليلة الوضوح : ياقوت ، معجم البلدان ، ج 1 ، ص 331 و 320 . وقد أكد الطبري في مكان آخر أن أليس تقع بمنطقة الأنبار ، وتتوغل في الشمال : التاريخ ، ج 3 ، ص 473 .